أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
73
العقد الفريد
بالتحريم ؛ وإنما هو جماع كجماع النكاح ، وهو عن تراض وبذل ، كما أن النكاح عن تراض وبذل ؛ وقد يبذل في السفاح ما لا يبذل في النكاح ؛ ولذلك سمّى اللَّه تبارك وتعالى المحرّمات كلها خبائث فقال تعالى : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ « 1 » ؛ وسمى المحلّلات كلها طيبات ، فقال : يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ « 2 » ؛ وسمى كل ما جاوز أمره أو قصر عنه سرفا ، وإن اقتصد فيه . وقد ذكر الخمر فيما امتنّ به على عباده قبل تحريمها . فقال تعالى : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً « 3 » . ولو أنها رجس على ما تأولتم ما جعلها اللَّه في جنته وسماها لذة للشاربين . وإن قلتم إن خمر الجنة ليست كخمر الدنيا ، لأن اللَّه نفى عنها عيوب خمر الدنيا فقال تعالى : لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ « 4 » ، فكذلك قوله في فاكهة الجنة : لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ « 5 » . فنفى عنها عيوب فواكه الدنيا ، لأنها تأتي في وقت وتنقطع في وقت ، ولأنها ممنوعة إلا بالثمن ، ولها آفات كثيرة ، وليس في فواكه الجنة آفة . وما سمعنا أحدا وصف الخمر إلا بضد ما ذكرتم ، من طيب النسيم ، وذكاء الرائحة . وقال الأخطل : كأنها المسك نهبى بين أرحلنا * وقد تضوّع من ناجودها الجاري « 6 » وقال آخر : فتنفّست في البيت إذ مزجت * كتنفّس الرّيحان في الأنف وقال أبو نواس : نحن نخفيها فيأبى * طيب ريح فتفوح
--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 157 . ( 2 ) سورة المائدة الآية 4 . ( 3 ) سورة النحل الآية 67 . ( 4 ) سورة الواقعة الآية 19 . ( 5 ) سورة الواقعة الآية 33 . ( 6 ) النهبى : اسم ما ينهب ، والناجود ، أول ما يخرج من الخمر إذا شق دنها